عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 2009-06-24, 04:35 AM
بسمة رزق غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 3,380
افتراضي

الباب الثاني

أوجه الاختصاص([1])

الاختصاص الجنائي أنواع ثلاثة، الاختصاص المحلي والاختصاص الشخصي والاختصاص النوعي والاختصاص الوظيفي.

ويقصد بالاختصاص المحلي الاختصاص من حيث المكان، وهو توافر صلة يحددها القانون بين الجريمة أو المتهم وبين النطاق الإقليمي الذي يمتد فيه سلطان المحكمة (أي المعيار المكاني لوقوع الجريمة). أما الاختصاص الشخصي فيقصد به الاختصاص من حيث المتهم، بمعنى أن يكون المتهم من الخاضعين لسلطان المحكمة (وهو المعيار الشخصي). في حين يقصد بالاختصاص النوعي، الاختصاص من حيث الواقعة، أي أن تكون الجريمة – من حيث تكيفها – داخلة في اختصاص المحكمة وهو المعيار النوعي أو الموضوعي.

وغني عن البيان بأن المحكمة لا تعتبر مختصة بنظر الدعوى إلا إذا ثبت اختصاصها من هذه الوجهات الثلاث.

أما الاختصاص الوظيفي فإنه يتعلق بالنشاط القضائي بالنسبة لمراحل الدعوى الجنائية (التحقيق، الإحالة، المحاكمة، وتنفيذ الأحكام).

أما قانون الإجراءات المدني فإنه يحدد الاختصاص بأربعة أنواع، الاختصاص الدولي، والاختصاص الوظيفي، والاختصاص النوعي، والاختصاص المكاني ولكنه يغفل الاختصاص القيمي باعتباره من الاختصاص النوعي أحياناً وأحياناً نجد التحديد للاختصاص المدني الأردني يتناول الخمسة أنواع السابقة، وقد تناول قانون أصول المحاكمات المدنية للاختصاص المدني في المواد من 27-55.



الفصل الأول

الاختصاص المحلي([2])

في المسائل الجنائية




مقدمة

تقوم فكرة الاختصاص المحلي (الإقليمي) على أساس تقسيم إقليم الدولة إلى مناطق توزع بين المحاكم التي تنتمي لذات النوع والدرجة، أي يتحدد الاختصاص المكاني بإطار جغرافي معين، وعلّة هذا التقسيم والتوزيع على محاكم متعددة هو نتيجة حتمية لاتساع رقعة الإقليم وصعوبة اختصاص محكمة واحدة في نظر كافة الدعاوى الإقليمية.

والمتفق عليه فقهاً وقانوناً أن التوزيع يتم وفق ضوابط ثلاث هي / مكان وقوع الجريمة، مكان إقامة المتهم، ومكان ضبط المتهم.

وهذا يستلزم منا:

أولاً : تحديد النطاق الإقليمي الذي يعمل فيه القاضي.

ثانياً : تحديد الصلة بين هذا النطاق والجريمة أو المتهم والتي تبرر للقاضي الاختصاص وهذه الصلة ضابط للاختصاص المحلي([3]).

لا بد من التنويه بأن تحديد مكان وقوع الجريمة قد أثار بعض المسائل التي تمكن الفقه والقضاء إلى حل الكثير منها، كالمسائل التي تتعلق بالجرائم التي تمتد في الزمان والمكان كالجرائم المستمرة وجرائم الاعتياد، والمسائل المتعلقة بجرائم تقع في الخارج ويمتد القانون الوطني ليطبق عليها ولا يكون للمتهم محل إقامة في هذا الإقليم (الدولة).

ومن الرجوع لقواعد القانون الأردني (أصول محاكمات جزائية) نجد أن المادة الخامسة قد تناولت هذه الضوابط في الفقرة الأولى منها، وامتد الاختصاص للمسائل الأخرى في فقراتها التالية حيث جاء فيها:

1. تقام دعوى الحق العام على المشتكى عليه أمام المرجع القضائي التابع له مكان وقوع الجريمة أو موطن المشتكى عليه([4]) أو مكان إلقاء القبض عليه.

2. في حالة الشروع تعتبر الجريمة أنها وقعت في كل مكان وقع فيه عمل من أعمال البدء بالتنفيذ، وفي الجرائم المستمرة يعتبر مكاناً للجريمة كل محل تقوم فيه حالة الاستمرار، وفي جرائم الاعتياد والجرائم المتتابعة يعتبر مكاناً للجريمة كل محل يقع فيه أحد الأعمال الداخلة فيها.

3. إذا وقعت في الخارج جريمة من الجرائم التي يسري عليها أحكام القانون الأردني ولم يكن لمرتكبها محل إقامة معروف في المملكة الأردنية الهاشمية ولم يلق القبض عليه فيها فتقام دعوى الحق العام عليه أمام المراجع القضائية في العاصمة.

أما قانون الإجراءات الجنائية المصري فقد تناولت الضابط المحدد للاختصاص المكاني في المادة (217) حيث جاء فيها([5]):

(يتعين الاختصاص بالمكان الذي وقعت فيه الجريمة أو الذي يقيم فيه المتهم أو الذي يقبض فيه عليه).

في حين تناولت المادة (218) أهم تطبيقات هذا الضابط (وقد تناولته المادة الخامسة من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني في فقرتها الثانية) حيث تناولت معظم المسائل الشائكة بالنسبة لكون بعض الجرائم لا تتحقق أركانها في آن واحد أو في مكان واحد حيث جاء فيها:

في حالة الشروع تعتبر الجريمة أنها وقعت في كل محل وقع فيه عمل من أعمال البدء في التنفيذ، وفي الجرائم المستمرة يعتبر مكاناً للجريمة كل محل تقوم فيه حالة الاستمرار، وفي جرائم الاعتياد والجرائم المتتابعة يعتبر مكاناً للجريمة كل محل يقع فيه أحد الأعمال الداخلة فيها([6]).

ويلاحظ من النص 217، 218 أن لا خلاف فيهما عن النص الوارد في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني في مادته الخامسة فقرة أولى وثانية.

النصوص السابقة تحتم علينا وعلى الأخص المادة 218، والفقرة الثانية من المادة الخامسة أن نحدد المقصود بالخلاف بين الجريمة التي تقع كافة أركانها في آن واحد ومكان واحد (وهي الجريمة الآنية أي الوقيتة، والجريمة التي لا تكتمل أركانها في زمن واحد أو مكان واحد (وهي الجرائم المستمرة) وذلك من أجل تحديد المحكمة أو المحاكم المختصة بنظر الدعاوى ولكي نحدد مفهوم الضابط الأول للاختصاص المكاني وهو مكان وقوع الجريمة كما يجب أن نحدد أماكن وقوع الجريمة بالنسبة لجريمة الاعتياد، والتكرار، والشروع، وسنتناول هذه الضوابط في المباحث التالية:





المطلب الأول

الضابط الأول / مكان وقوع الجريمة

تكون للدولة ولاية القضاء بصفة أصلية إذا وقعت الجريمة في إقليمها لكن تحديد مكان وقوع الجريمة ليس سهلاً دائماً فهنالك خلاف بحسب نوع الجريمة هل هي من الجرائم الوقتية أم من الجرائم المستمرة أم المتتابعة أم من جرائم العادة.

ولمكان ارتكاب الجريمة أهمية كبيرة حيث هو الاختصاص الطبيعي فيها، لأنه في مكان ارتكابها اختل الأمن، واضطربت المراكز القانونية المستقرة وتم الاعتداء على حقوق يحميها القانون([7]) ولو أن المشرع قدر أنه من الملائم في السياسة التشريعية أن يحدد محكمة واحدة تنظر الجريمة لاختار المحكمة التي ارتكبت فيها، ذلك لأن مكان ارتكاب الجريمة يحقق العدالة بصورة أفضل، ويسهل عملية التحقيق وضبط أدوات الجريمة والقبض على المتهم، وتحقيق الردع والأثر الفعال للعقوبة في نفوس الأفراد([8]) ، وهو المكان الذي يمكن جمع أدلة الإثبات فيه.

لا يعتبر في تطبيق هذا الضابط صعوبة إذا ما تحققت جميع عناصر الركن المادي في دائرة اختصاص محكمة واحدة إذ ينعقد الاختصاص لهذه المحكمة([9]).

أما إذا تحققت عناصر الجريمة بين دوائر اختصاص محاكم متعددة كما لو ارتكب الفعل في دائرة اختصاص محكمة وتحققت الجريمة في دائرة اختصاص محكمة أخرى فإن المحكمتين تختصان معاً بالجريمة، وإذا تحققت بعض الحلقات السببية في دائرة ثالثة كانت هذه المحكمة مختصة أيضاً([10]).

في الفقه (الرأي الراجح) نجد أن السلوك (الفعل) والنتيجة يتساويان من حيث خطورة كل منهما على نظام وأمن الدولة، فوقوع أيهما فيها يجعل لها ولاية أصلية في نظر الدعوى ومعاقبة الفاعل، وهذا ما تبنته كثير من قوانين العقوبات([11]).

لهذا ينعقد الاختصاص إما لمحكمة مكان وقوع الفعل أو مكان تحقق النتيجة أو مكان وقوع أي أثر من آثارها، وضابط المفاضلة بينهما هو للمحكمة ذات الأسبقية الزمنية في رفع الدعوى أمامها([12])، أي ينعقد الاختصاص للمحكمة التي ترفع إليها الدعوى أولاً، وهذا ما أكدته أحكام محكمة التمييز الأردنية([13]).

وكذلك الوضع في حال وقوع الفعل (أي السلوك الإجرامي) في مكان والنتيجة الجرمية في مكان آخر([14]) فإن المحكمة المختصة هي المحكمة التي وقع في نطاق إقليمها الفعل والمحكمة التي وقعت النتيجة في نطاق إقليمها، والأفضلية للمحكمة التي سبق ورفع الدعوى أمامها زمنياً.

مثال على ذلك جريمة إصدار شيك بدون رصيد حيث اتفق الفقه بأنها ليست من الجرائم الوقتية بل جريمة مركبة (Complex) كما أكدت أحكام محكمة النقض الفرنسية هذا الرأي ورأت بأن جريمة إصدار شيك بدون رصيد جريمة مركبة فاعتبرت عدم وجود الرصيد ركناً أساسياً في الجريمة وينعقد الاختصاص لمحكمة إصدار الشيك ولمحكمة مكان تحقق ركن عدم وجود الرصيد([15]).

كذلك اعتبرت من الجرائم المركبة جريمة السب والقذف غير العلني الذي يقع بواسطة إرسال الخطابات أو بطريق التلفون، حيث اعتبرت محكمة النقض الفرنسية هاتين الجريمتين من الجرائم المركبة([16]).

وإذا كانت الجريمة من الجرائم السلبية البسيطة (أي قوامها امتناع مجرد) فتعتبر الجريمة مرتكبة في المكان الذي كان يجب أن ينفذ فيه الالتزام الذي فرضه القانون أي القيام بالفعل الإيجابي الذي يتطلبه القانون لصيانة مصلحة يحميها، إذ في هذا المكان تم إهدار المصلحة وبالتالي فإن المحكمة المختصة بنظرها هي المحكمة التي يتبعها هذا المكان.

أما إذا كانت من الجرائم السلبية ذات النتيجة أي قوامها امتناع أعقبته نتيجة جرمية، فإن المحكمة المختصة علاوة على محكمة مكان الامتناع، أيضاً محكمة تحقق النتيجة الجرمية([17]).

هذا بالنسبة للجرائم المستمر والجريمة المركبة، أما بالنسبة لجرائم الاعتياد وجريمة التكرار (المتتابعة) فيعتبر مكاناً للجريمة كل محل يقع فيه أحد الأفعال الداخلة فيها.

وقد قضت محكمة النقض المصرية بأنه إذا وقعت أفعال السرقة المسندة إلى المتهم في دائرة أكثر من محكمة فإن الاختصاص في هذه الحالة يكون معقوداً لكل محكمة وقع فيها جزءاً من أعمال السرقة المعاقب عليها([18]).

ويجدر بنا التمييز بين مكان ارتكاب الجريمة الذي يتحدد بمكان وقوع عناصر الركن المادي للجريمة ومكان الأعمال التحضيرية لها أو الأماكن المتعلقة بمكان حدوث الأفعال اللاحقة (آثار الجريمة) كمكان إخفاء جثة القتيل فإنهما لا يحددان مكان ارتكاب الجريمة([19]).

نخلص إلى القول بأنه إذا كانت الجريمة مستمرة فإنها تعد مرتكبة في جميع الأماكن التي امتدت فيها الجريمة([20])، فمن حاز شيئاً مسروقاً أو متحصلاً من جناية أو جنحة وتنقل به في أماكن متعددة اختصت بجريمته جميع المحاكم التي تقع في دوائر اختصاصها هذه المحاكم. وقد تناولت المادة الخامسة في فقرتها الثانية أصول المحاكمات الجزائية من القانون الأردني أعمال البدء في التنفيذ والجرائم المستمرة، وجرائم الاعتياد والمتتابعة مقرة ما سبق ذكره أعلاه.

لكن لا يؤخذ بهذا على إطلاقه فالجريمة المستمرة استمراراً ثابتاً (كجريمة إقامة بناء مخالف للترخيص أو بدون رخصة) فإنها تأخذ حكم الجريمة الوقتية، وبالتالي ينحر الاختصاص بها في المحكمة التي ارتكب في دائرتها الفعل، والغرض من ذلك أن جميع آثار الجريمة تحققت في الدائرة المكانية لهذه المحكمة.

اختلف الشراح حول جريمة الاعتياد فذهب بعضهم إلى القول بأن هذه الجريمة تقوم بعدد من الأفعال كل منها لا يعتبر بذاته جريمة ولكنها مطلوبة في القانون لإثبات حالة العدد الذي هو موضوع التجريم، وبهذا تعتبر الجريمة بنظرهم مرتكبة في كل مكان اقترف فيه أحد الأفعال، ومن ثم تختص بها جميع المحاكم التي ارتكب في دوائر اختصاصها هذه الأفعال.

ورأى البعض الآخر من الشراح أن المحكمة المختصة بجريمة الاعتياد هي المحكمة التي اقترف في دائرتها الفعل الأخير([21]).

في حين ذهب آخرون بجعل الاختصاص للمحكمة التي يقيم المتهم في دائرتها([22])، ونحن نرى أن الاختصاص في حال جرائم الاعتياد ينعقد للمحكمة التي وقع بدائرتها الفعل الأخير أو مكان إقامة المتهم والأولوية للمحكمة التي رفعت لها الشكوى بالأسبقية الزمنية، كما نرى أن الأمر يختلف من حيث اعتبار كل فعل من الأفعال بحد ذاته جريمة يعاقب عليها القانون في الجرائم المتتابعة عن جرائم الاعتياد، حيث أن المتهم في الأول يرتكب عدة أفعال يعاقب القانون عليها بحيث لو اكتفى بارتكاب واحدة منها لنال عقابه عليها، ولهذا فإن لكل فعل في ذاته الصفة الإجرامية الذاتية وبهذا تختص بنظر هذه الجريمة (المتتابعة) محكمة كل مكان اقترف فيه أحد هذه الأفعال.

أما إذا اتخذت الجريمة صورة الشروع، فالفرض أن الجريمة لم تتحقق، ومن ثم يتعين أن يقتصر البحث على (فعل البدء في التنفيذ) حيث هو الذي يحدد مكان ارتكاب الشروع بالجريمة، وإذا امتدت أفعال التنفيذ إلى دوائر اختصاص محاكم متعددة كانت هذه المحاكم مختصة بنظر الدعوى.

وقد أكدت المادة الخامسة في الفقرة الثانية من قانون أصول المحاكمات الجزائية بأنه وفي حالة الشروع تعتبر الجريمة أنها وقعت في كل مكان وقع فيه عمل من أعمال البدء في التنفيذ.

ويلاحظ هنا أنه لا عبره في مكان تحقق النتيجة حيث لا يحق للدولة التي كانت معنية بوقوع النتيجة فيها توقيع العقاب، وترى تشريعات بعض الدول بأن هذا الضابط (أي الاكتفاء بمكان وقوع السلوك الإجرامي كمكان اختصاص لتوقيع العقاب) لا يحقق الحماية التامة، ومع ذلك نصت كثير من التشريعات على أن ينشأ الاختصاص أيضاً بصفة أصلية للدولة التي كان يقصد الجاني إيقاع النتيجة على إقليمها، هذا مسلك التشريع السويسري (المادة 7/2) والقانون السويدي (المادة 4) والقانون اللبناني والسوري (المادة 15 من كل منهما) والقانون التشيكي المادة (17) والمشرع المصري (المادة 6/2) والقانون العراقي ( المادة 6)، على أن هذا الرأي لا يستند إلى أساس علمي، طالما أن النتيجة لم تحدث وبالتالي لم يقع أي ضرر للدولة التي كان يراد إيقاع النتيجة فيها، علاوة على ذلك فإن مجال التحقق من الفعل وظروفه واكتشاف أدلة الإثبات والتحقيق لا تكون متوفرة إذا ما رفعت الدعوى لدى المحكمة التي كانت ستقع النتيجة في دائرتها.

وهذا ما تناولته الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردنية، حيث اعتدت فقط في مكان البدء في التنفيذ، الذي حددته المادة 68 من قانون العقوبات بقولها: "أنه البدء في تنفيذ فعل من الأفعال الظاهرة المؤدية إلى ارتكاب تلك الجناية أو الجنحة ولكنها لم تحدث لحيلولة أسباب لا دخل لإرادته فيها"([23]).

وقد سلك المشرع الأردني هذا السلوك فاكتفى بمكان (البدء في التنفيذ) أي مكان السلوك الإجرامي بخلاف ما جاء في المشرع المصري.



الجرائم المرتكبة في الخارج

تناولت هذا الموضوع الفقرة الثالثة من المادة الخامسة من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني حيث جاء فيها: "إذا وقعت في الخارج جريمة من الجرائم التي تسري عليها أحكام القانون الأردني، ولم يكن لمرتكبها محل إقامة معروف في المملكة الأردنية الهاشمية، ولم يلقى القبض عليه فيها فتقام دعوى الحق العام عليه أمام المراجع القضائية في العاصمة".

أما المادة 219 من قانون الإجراءات الجنائية المصري جاء فيها:

(إذا وقعت في الخارج جريمة من الجرائم التي تسري عليها أحكام القانون المصري ولم يكن لمرتكبها محل إقامة في مصر ولم يضبط فيها ترفع الدعوى في الجنايات أمام محكمة جنايات القاهرة وفي الجنح أمام محكمة عابدين الجزئية).

يفهم من نص المادة 5/3 قانون أصول المحاكمات الجنائية الأردني (والمادة 219) مصري أن تطبيقه يتم على الجرائم التي ترتكب خارج إقليم الدولة، وبالتالي لا يمكن تحديد المحكمة التي يمكن أن تنظر هذه الدعوى بالاستناد إلى مكان ارتكاب الجريمة، كما يفهم أن المتهم ليس له مكان إقامة في إقليم هذه الدولة([24]) كما لم يقبض عليه فيها أو كان مكان إقامته مجهولاً، أي بمعنى أنه لم يتوفر لتعين المحكمة المختصة بنظر الدعوى المتعلقة بالجريمة أي من الضوابط السابقة (مكان وقوع الجريمة، مكان الإقامة، أو مكان القبض عليه).

ويجري العمل في القضاء الأردني واستناداً إلى المادة العاشرة من قانون العقوبات بأن المتهمين الحائزين على الجنسية الأردنية مسؤولون جزائياً أمام محاكم المملكة الأردنية سواء ارتكبوا الجريمة داخل أراضيها أو في الخارج([25]).

النص السابق إذن لا يطبق في حال توافر محل إقامته للمتهم (بالنسبة للمادة 219 في مصر وبالنسبة للمادة 5/3 في الأردن)، في الإقليم أو القبض عليه فيها، لكن يطبق على من ليس له مكان إقامة في دولته ولم يقبض عليه فيها، والملاحظ أن هذا مجرد استثناء بحت، ويستوي أن يكون خضوع هذه الجريمة (المرتكبة في الخارج للقانون المصري مثلاً استناداً لمبدأ عالمية النص، أو استناداً لمبدأ شخصية النص، أو استناداً لمبدأ عينية النص) ([26]) لأن النص بذاته ذو طابع احتياطي وهو يضع قاعدة تحكمية حيث لا تجدي القواعد العامة في تقرير حل.

والجدير بالملاحظة أن النص (الأردني والمصري) لا يطبق إذا ما وقعت الجريمة على متن سفينة أو طائرة في حالة تخضع فيها للقانون الأردني والمصري، إذا كانت السفينة قد رست أو الطائرة قد هبطت بعد الجريمة في ميناء أو مطار مصري أو أردني، لأنه في مثل هذه الحالة يكون مكان حط الطائرة أو رسو السفينة هو مكان ارتكاب الجريمة طبقاً للقواعد العامة، ولكن يطبق هذا النص إذا ما حطت الطائرة ورست السفينة في ميناء غير المطار أو الميناء المصري أي في ميناء أجنبي([27]).

أما حالة الاشتراك في ارتكاب الجريمة فإن الأمر يتوقف على نظرة المشرع لفعل الاشتراك حيث أن غالبية التشريعات تعتبر الاشتراك أمر تبعي للفعل الأصلي، ولذا فسلطة العقاب تكون من حق الدولة التي يقع فيها الفعل الأصلي([28]).

القانون الألماني (العقوبات لعام 1975) أخذ بمبدأ استقلال الشريك حيث نصت المادة التاسعة على المعاقبة على فعل الاشتراك الذي يقع في ألمانيا ولو وقعت الجريمة في الخارج حتى لو كان الفعل الأصلي الذي وقع في الخارج لا يعاقب عليه القانون الألماني([29]).

ويأخذ بهذا المبدأ القانون السوداني حيث يعتبر فعل الاشتراك (من تحريض أو اتفاق أو مساعدة جريمة مستقلة) ([30]) ولو لم يترتب على الاشتراك أثر وإن كانت عقوبتها أخف من عقوبة الجريمة إذا تمت أو شرع فيها في جريمة وقعت كلها أو بعضها في الخارج حيث تناولت المادة الأولى والثانية من قانون العقوبات المصري هذا الموضوع بأحكام خاصة تطبق عليها مبدأ الإقليمية في حالتين مختلفتين عن بعضهما البعض في الأحكام.

فجاءت الحالة الأولى والتي نصت عليها المادة الأولى من قانون العقوبات المصري بقولها: تسري أحكام هذا القانون على كل من يرتكب في القطر المصري جريمة من الجرائم المنصوص عليها فيه.

والحالة الثاني تنص عليها المادة الثانية من ذات القانون بقولها: تسري أحكام هذا القانون أيضاً على الأشخاص الآتي ذكرهم:

(كل من ارتكب في خارج القطر فعلاً يجعله فاعلاً أو شريكاً في جريمة وقعت كلها أو بعضها في القطر المصري) ([31]).

ويشترط لقيام الحالة الأولى النص الأول والثاني شرطان / الأول أن يساهم الجاني في الجريمة بفعله وهو داخل القطر المصري، فلا تسري المادة الأولى على الشريك الذي حرض وهو خارج القطر على جريمة وقعت داخله وإنما هنا تسري عليه أحكام المادة 2/1 منه. والشرط الثاني، أن تقع الجريمة كلها داخل الإقليم المصري([32])، سواء تحققت الجريمة كاملة أو وقفت عند حد الشروع.

أما إذا وقعت بعض عناصر الجريمة في مصر والبعض الآخر في الخارج فإن المادة الثانية فقرة أولى تكون واجبة التطبيق.

في حال توافر الشرطين يكون القانون المصري واجب التطبيق على كل من ساهم في الجريمة فاعلاً أو شريكاً مصرياً أو أجنبياً([33]) وهذا يحتم على النيابة أن ترفع الدعوى ولو تحققت أن الجاني حوكم في الخارج وبريء أو أدين واستوفى عقوبته بناء على مبدأ الشخصية الإيجابية مثلاً، بمعنى أن النيابة تتحرر من القيود التي ترد في المادة 4 من قانون العقوبات المصري، حيث أن هذه القيود واردة في الحالات الثلاث الواردة في المادة الثانية والثالثة.

أما عن الحالة الثانية فإن المادة الثانية فقرة أولى تطبق على كل من يساهم وهو في الخارج في جريمة تقع كلها أو بعضها في مصر سواء كان مصرياً أو أجنبياً ولا يشترط أن يكون معاقباً على كل هذا الفعل في مصر أو في الخارج استقلالاً.

وقد يكون هذا الفعل من أفعال الاشتراك وقد يكون أصلياً، لذا تسري هذه المادة على المحرض والفاعل الذي يرتكب فعله في الخارج من حيث القواعد العامة فكل من الاثنين فاعلاً أصلياً.

علّة التفرقة بين الحالتين هي أن العمل الذي وقع في الخارج قد يكون جريمة في البلد الذي وقع فيه، مما يستلزم احترام سيادة الدولة ومراعاة العدالة التي تقتضي ألا يعاقب الشخص عن واقعة الفعل مرتين، أما إذا وقع جزء من هذه الأفعال (المساهمة داخل الإقليم المصري) وجزء في خارج الإقليم المصري (كالجرائم المستمرة، المتكررة الاعتياد) فإن القانون المصري يكون واجب التطبيق، حيث يتبع مبدأ التطبيق للأصل وهذا هو مبدأ القانون المصري، كتحريض شخص لآخر وهو في الخارج على ارتكاب فعل داخل الإقليم، أو إرسال شخص وهو في الخارج لآخر مواد مخدرة للاتجار فيها بمصر فكلا الجريمتين وقعتا في مصر.



المطلب الثاني

الضابط الثاني / محل إقامة المتهم

من الرجوع لنصوص القانون المصري المادة 217 إجراءات جنائية نجد أن من الضوابط التي تحدد المحكمة المختصة محلياً هو مكان إقامة المتهم (Residence) دون محكمة الموطن (Domicile) بخلاف نص المادة الخامسة فقرة أولى من أصول المحاكمات الجزائية الأردنية التي نصت على موطن المتهم دون مكان إقامته، وثمة خلاف في المدلول القانوني بين التعبيرين في حين يعني الموطن المكان الذي انصرفت نية المتهم إلى الإقامة فيه على نحو منتظم مستقر، قد لا يكون مقيماً فيه فعلاً([34]).

وموقف المشرع الأردني محل نقد لجعله المحكمة المختصة محكمة الموطن المختار دون محل إقامة المتهم لأن محل الإقامة هو المحل الذي يمكن أن تستقي فيه المعلومات المتعلقة بشخص المتهم وعلاقاته العائلية والاجتماعية بوجه عام، وكما يمكن التعرف على سوابقه الإجرامية([35])، وتحديد محل إقامة المتهم هو فصل في مسألة موضوعية.

وغالباً يتحد مكان الإقامة وموطن المشتكى عليه، ولكن إذا اختلفا فإن العبرة في القانون المصري بمحل الإقامة دون الموطن، وبالعكس محل الموطن دون الإقامة في القانون الأردني.

وإذا رفعت الدعوى العمومية عن جريمة وقعت في مكان يدخل في دائرة اختصاص محكمة ما إلى محكمة أخرى يدخل اختصاصها المحلي الذي يقيم فيه المتهم المرفوعة عليه الدعوى، فلا يؤثر في اختصاص هذه المحكمة أن يكون المتهم شريكاً في الجريمة لفاعل أصلي لا تصح قانوناً محاكمته أمامها وما دامت الدعوى لم ترفع إلا عليه([36]) وإذا تعددت محال إقامة المتهم كانت جميع المحاكم التي تتبعها هذه المحال مختصة بالجريمة([37]).

وإذا غير المتهم مكان إقامته في الفترة ما بين ارتكاب الجريمة وبين البدء في اتخاذ الإجراءات الجنائية هذه، تكون المحكمة المختصة هي محكمة محل إقامته الأخير ويعني ذلك أنه إذا كان مكان ارتكاب الجريمة ثابتاً فإن محل إقامة المتهم قابل للتغيير، ولكنه ليس من الأهمية أن يغير المتهم محل إقامته بعد اتخاذ الإجراءات ضده([38]).



المطلب الثالث

الضابط الثالث / مكان القبض على المتهم

راعى المشرع جعل الاختصاص المكاني وفق هذا الضابط لمكان القبض على المتهم في حالة عدم وجود محل إقامة (مجهول الإقامة) أو كان مكان وقوع الجريمة غير معين، وتراعي أيضاً سلطات التحقيق في الجرائم البسيطة التي تكون الإجراءات التي ستتخذ بشأنها ذات مصاريف كبيرة يستغني عنها فيفضل محاكمته بمكان القبض عليه بدلاً من نقله من مكان القبض عليه لمكان محكمة وقوع الجريمة أو محكمة مكان الإقامة أو يستوي الأمر أن يكون القبض على المتهم لذات الجريمة أو لجريمة أخرى (م/52) من قانون الإجراء الجنائية الفرنسية) وتحديد مكان القبض على المتهم هو فصل في مسألة موضوعية يترك أمر تقديرها لقاضي الموضوع.



الاختصاص المكاني لسلطة التحقيق([39]):

يحدد الاختصاص المكاني لسلطة التحقيق (المدعي العام، والنيابة العامة، ومأمور الضبط القضائي) بنفس الضوابط الثلاث التي يحدد بها الاختصاص المكاني لقاضي الحكم وهي مكان وقوع الجريمة، ومحل إقامة المتهم، وهذا ما أكدته المادة 18 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وقد جاء فيها:

" في الأحوال المبينة في المواد (7 - 13) من قانون العقوبات يقوم بالوظائف المذكورة في المادة السابقة (أي المادة السابعة عشر من قانون أصول المحاكمات) المدعي العام التابع له موطن المشتكى عليه أو مكان إلقاء القبض عليه، أو موطنه الأخير، إلا أن هنالك فرق بين الاختصاص المحلي لسلطة التحقيق والاختصاص المحلي لسلطة الحكم حيث أن الاختصاص في الحالة الأولى يمكن أن يمتد لنطاق أوسع من دائرة الاختصاص أي خارج نطاق سلطة التحقيق إذا ما تطلبت ذلك مقتضيات التحقيق وظروفه فيقوم المدعي العام بانتداب أحد أفراد الضابطة العدلية للتحقيق في هذه الجريمة وقد يقوم بالتحقيق بنفسه إن اقتضت الضرورة.

فقد يتم تفتيش منزل المتهم الواقع في خارج دائرة الاختصاص لمأمور الضبط القضائي الذي شاهد المتهم متلبساً في جريمة وقعت في دائرة اختصاصه([40]).

والقاعدة المستقرة في القضاء المصري أنه ما دام المحقق مختصاً بتحقيق الواقعة فلا يهم بعد ذلك المكان الذي اختاره لاتخاذ بعض الإجراءات المتعلقة بالتحقيق والذي يترك لتقديره حفاظاً على صالح التحقيق وسرعة الإجراء([41]).

ويستند في هذا إلى المادة 7/2/ الفقرة الثالثة من قانون الإجراءات المصري في حال قيام قاضي التحقيق أو انتداب النيابة العامة أو أحد أفراد الضابطة العدلية للقيام بالتحقيق خارج دائرة الاختصاص (المادة 199 خاص بالتحقيق الجاري من النيابة العامة).

لا يعتبر هذا استثناء على القواعد العامة في تحديد الاختصاص المكاني وإنما هو مراعاة لمقتضيات التحري والتحقيق عن الجريمة وظروفها وتحقيق العدالة.

نخلص مما سبق أن الضوابط الثلاث المحددة في المادة 217 من قانون الإجراءات المصري، والمادة الخامسة فقرة أولى من قانون أصول المحاكمات الأردني التي تنص على مكان انعقاد الاختصاص المكاني للمحكمة التي تنظر الواقعة في (مكان وقوع الجريمة، أو مكان إقامة المتهم أو مكان القبض عليه) وكلها متساوية ولا تفضيل بينهما وللمشتكي الخيار إذا ما سلك إحداهما فإن المحكمة تصبح ملزمة بنظر الواقعة([42]).

كما نخلص للقول بأن قواعد الاختصاص المحلي لا تتعلق بالنظام العام فلا يترتب على مخالفتها البطلان كالذي يترتب على مخالفة الاختصاص النوعي والشخصي وإن كان هنالك جانب من الفقه يرى عدم التمييز بين قواعد الاختصاص إلا أننا نرى مع القائلين بأن قواعد الاختصاص المكاني غير متعلقة بالنظام العام للأسباب التالية:

1- هذه القواعد وضعت لتنظيم العمل القضائي ليس إلا، فهي لم توضع لاعتبارات موضوعية تتعلق مثلاً بالقدرة على الفصل في الموضوع والكفاءة اللازمة لذلك وإنما الهدف هو تيسير العمل القضائي وعدم عرقلة سير العدالة.

2- المشرع في تحديده لضوابط الاختصاص المحلي إنما قصد تيسير التقاضي أيضاً على الخصوم في الدعوى تماماً كما هو الشأن في الاختصاص المكاني للدعاوى المدنية([43]).

3- لو كان الأمر يتعلق بالنظام العام كما هو الشأن في الاختصاص النوعي أو الشخصي لما وضع المشرع ضوابط عدة للاختصاص المكاني ولقصرها على ضابط واحد هو المتعلق بتحقيق العدالة([44]).

4- وحتى الاتجاه القائل: بعدم التفرقة بين قواعد الاختصاص وضعوا قيوداً على الاختصاص المكاني لجعله من النظام العام ولا مكان للدفع به لأول مرة أمام محكمة النقض ويجب أن يكون الدفع مستنداً إلى وقائع أثبتها الحكم وأن لا يقضي تحقيقاً موضوعياً.

5- إن اعتبار الاختصاص المكاني من النظام العام علاوة على أن فيه عرقلة لسير القضاء وعدم التيسير على الخصوم فإن من نتائج رد الدعوى لعدم الاختصاص المكاني فيه تكلفة باهظة لأطراف الخصومة وعدم استقرار للمراكز القانونية.

ويترتب على اعتبار الاختصاص المكاني ليس من النظام العام النتائج التالية:

1. لا يجوز التمسك به لأول مرة أمام محكمة النقض (التمييز).

2. لا يجوز أن تحكم بع المحكمة من تلقاء نفسها.

3. إذا بدأ الخصوم (المدعي في تقديم لائحة الادعاء أو الشكوى والمدعى عليه في الإجابة عليها فإنه يتحدد اختصاص المحكمة المكاني ويعتبر بأن الطرفين قد أرادا تلك المحكمة صراحة أو ضمناً وأنهما قد تنازلا عن أي اختصاص مكاني آخر([45]).

ويترتب على هذه النتيجة ما يلي:

بالنسبة لقاضي الموضوع إذا بدأ الخصوم في نظر الدعوى يصبح ملزماً برد الدفع بعدم الاختصاص المكاني ولا يملك حتى مجرد البحث فيه ولا يجوز له سماع أية بينة تتعلق بالدفع وإلا كان بحثه بالدفع مشوباً بالبطلان.

هذا أيضاً مسلك القضاء الأردني حيث جاء بأن الاختصاص المكاني ليس من النظام العام، حيث قضت محكمة التمييز الأردنية بأن المحكمة لا تملك الحق في الدفع بعدم الاختصاص المكاني ما لم يمسك به المدعي قبل الدخول في موضوع الدعوى([46]).

وجاء أيضاً بأنه لا يجوز الدفع بعدم الصلاحية المكانية إذا لم يتمسك بهذا الدفع قبل الإجابة على لائحة الدعوى([47]).

ولا يختلف الحال بالنسبة للقضاء المدني حيث اعتبرت الاختصاص المكاني لا يتعلق بالنظام العام بمعنى لا يجوز للمحكمة أثارته من تلقاء نفسها، وللخصوم التمسك به قبل الدخول في الأساس للموضوع وإلا اعتبر أن هنالك اتفاق صريح أو ضمني في التنازل عنه.

ولا يجوز للنيابة العامة أن تتمسك بعدم الاختصاص الذي لا يتعلق بالنظام العام إلا إذا كانت طرفاً أصلياً في الدعوى.

وإذا ما ثبت الاختصاص للقاضي بالدعوى تعين أن يقضي فيها، فإن امتنع ارتكب جريمته، وإذا ثبت أنه غير مختص بها تعين عليه أن يقرر ذلك ويخرج الدعوى من حوزته فإن قضى فيها كان قضاؤه باطلاً([48]).



الفصل الثاني

العنصر المكاني للسلوك في جرائم التهريب الجمركي

يلعب العنصر المكاني في جريمة التهريب الجمركي دوراً بارزاً. إذ يمثل التطبيق الجغرافي للقانون الجمركي أحد الخصائص المميزة له([49]) وللعنصر المكاني أهمية كبرى في جرائم التهريب الجمركي، وذلك أنه يحدد نطاق عمل إدارة الجمارك وإمكانية ضبط الجرائم، كما يؤثر تأثيراً خاصاً في بعض صور التهريب الجمركي. وفي وسائل الإثبات وإجراءات الملاحقة. فالجريمة الجمركية تختلف عن غيرها من الجرائم لأن الأصل في هذه الجرائم خلافاً لجرائم القانون العام أنها تقع على حدود الدولة الجمركية، وهو ما يعبر عنه بالخط الجمركي ولا تقع داخل الدولة إلا استثناء فإذا اجتازت البضائع (نطاق الرقابة الجمركية) فإنها والحالة هذه لا تصلح أن تكون محلاً لجريمة التهريب، باستثناء بعض صور التهريب التي تعرفها القوانين الجمركية ويمكن أن تقع على امتداد إقليم الدولة وقد ميز قانون الجمارك المصري بين الإقليم الجمركي والخط الجمركي والدائرة الجمركية ونطاق الرقابة الجمركي.

1- الإقليم الجمركي CUSTOM TERRITORY

ويقصد بالإقليم الجمركي بشكل عام هو: الأراضي والمياه الإقليمية الخاضعة لسيادة الدولة. فالإقليم الجمركي هو إقليم الدولة داخل حدودها السياسية وفقاً لتحديدها دولياً ويشمل ذلك الإقليم البر والبحر والجو على حد سواء([50]) ومن ثم فإن إقليم الدولة الجمركي يتطابق مع الإقليم السياسي. وتتولى المعاهدات الدولية والقوانين الداخلية بيان الحدود السياسية للدولة. وهي تشمل الأراضي اليابسة والمياه الإقليمية والفضاء الجوي الذي يعلو كلاً من الأرض والماء. أي أن الإقليم الجمركي يشمل – كالإقليم السياسي – الإقليم البحري والبري والجوي.

وقد عرف J. PRESCOTT الحدود السياسية بقوله "إن الحدود تعني حد الإقليم الذي تشغله الدولة، وتبسط عليه سلطتها بصفة قانونية"([51]).

2- الخط الجمركي CUSTOM FRONTIER

عرف الأستاذ LAWERENCEW TOWLE الخط الجمركي بأنه الخط الذي تخضع فيه البضائع والأموال في حال دخولها إلى إقليم الدولة، أو إخراجها منه، لمجموعة من النظم والإجراءات الجمركية، التي تضعها الدولة بهدف تنظيم تدفق السلع والأموال من والى أسواقها الوطنية، وعلى طول هذا الخط يوجد عدد من مكاتب ونقط المراقبة، بقصد مراقبة، وتنظيم عمليات الاستيراد والتصدير([52]) ويمتد الخط الجمركي على جانب الحدود البرية والبحرية، فيشكل خطاً جغرافياً يمثل حدود الدولة. وقد عرفت المادة الثانية من قانون الجمارك المصري الخط الجمركي بأنه "الحدود السياسية الفاصلة بين الجمهورية والدول المتاخمة وشواطئ البحار المحيطة بالجمهورية، كما اعتبرت ضفتا قناة السويس وشواطئ البحيرات التي تمر بها القناة خطاً جمركياً، وقد استقر اجتهاد محكمة النقض المصري على أن سواحل البحر المالح والحدود الفاصلة بين القطر المصري والبلاد المجاورة له تعد خطاً جمركياً([53]).

3- الدائرة الجمركية CUSTOMS SURVEILANCE ZONE

وهي تلك المنطقة التي يوجد بها مكتب للجمارك سواء على الحدود البرية أو في الموانئ البحرية أو الجوية، والأرض المحيطة بها حيث يتم شحن وتفريغ ونقل وتخزين البضائع الواردة والصادرة لإتمام الإجراءات الجمركية عليها([54]) وتكون غالباً محاطة بأسوار لها أبواب تحت حراسة عمال وحرس شرطة دائرة الجمارك.

وقد عرفت المادة الرابعة من قانون الجمارك المصري الدائرة الجمركية بأنها "النطاق الذي يحدده وزير الخزانة في كل ميناء بحري أو جوي يوجد فيه مكتب للجمارك، يرخص فيه بإتمام الإجراءات الجمركية أو بعضها، وكذلك أي مكان آخر يحدده الوزير لإتمام هذه الإجراءات فيه".







4- الرقابة الجمركية CUSTOM CONTROL

وهي شريط من الأرض متاخم للحدود مع الخارج يحضر فيه تداول وحيازة ونقل البضائع الممنوعة والخاضعة للضريبة دون تبريرات مقبولة. وقد عرّف البعض الرقابة الجمركية بأنها "عبارة عن إشراف رجال الجمارك على اجتياز البضائع للخط الجمركي، دخولاً وخروجاً طبقاً للنظم والإجراءات الجمركية الواجبة الاتباع، والتي تنص عليها قوانين الجمارك، والقوانين المكملة لها، والمعمول بها في شأن الاستيراد والتصدير"([55]).

وينقسم نطاق الرقابة الجمركية، الذي يمارس فيه موظفو الجمارك اختصاصهم إلى نطاقين:أولاً: نطاق الرقابة الجمركية البحري. ثانياً: نطاق الرقابة الجمركية البري. وسوف نتناول كل نقطة بالشرح تفصيلاً على النحو التالي:

أولاً : نطاق الرقابة الجمركية البحري

صدرت اتفاقية جنيف عام 1958، وقد أكدت عدة مبادئ أساسية بالنسبة للمرور في مياه البحر الإقليمي والمناطق الملاصقة للبحر الإقليمي نجملها بما يلي:

نطاق الرقابة الجمركي البحري: هو امتداد للبحر الإقليمي إلى مناطق عرفتها المادة 24 من اتفاقية جنيف بأنها منطقة من البحار العالية تلاصق البحر الإقليمي للدولة الشاطئية، ولا تخضع لسيادتها لأنها لا تعتبر جزءاً من إقليمها السياسي، إذ الملاحة فيها حرة ولا يجوز للدولة الشاطئية منعها أو إعاقتها، ولكن تباشر عليها سلطات محددة مصدرها المحافظة على أمنها ومنع الإخلال بقوانينها الجمركية والمالية والصحية. وعلى الرغم من أنه لا يجوز أن تمتد بحسب اتفاقية جنيف المنعقدة في سنة 1958 إلى أبعد من 12 ميلاً بحرياً ابتداءاً من الخط الأساسي الذي يبدأ منه الخط الإقليمي للدولة الشاطئية إلا أنه وطبقاً للفقرة الأولى من المادة الثالثة من قانون الجمارك المصري، يمتد نطاق الرقابة الجمركية البحري من الخط الجمركي إلى مسافة ثمانية عشر ميلاً بحرياً في البحار المحيطة به. وهذه المسافة لا تدخل كلها ضمن حدود الدولة المصرية السياسية. لأن المياه الإقليمية لجمهورية مصر العربية لا تمتد إلى أكثر من اثنتى عشر ميلاً بحرياً طبقاًُ للقرار الجمهوري رقم 180 لسنة 1958. وبذلك تكون الستة أميال الباقية منطقة مجاورة للمياه الإقليمية للدولة المصرية تمتد إليها أحكام الرقابة الجمركية. فهي لا تعتبر منطقة حماية للمياه الإقليمية من عمليات التهريب فحسب، وإنما تدخل ضمن نطاق الرقابة الجمركية، بمعنى أن حق الدولة في المنطقة الملاصقة لا ينحصر في طرد السفن التي تمارس عمليات التهريب فيها، وإنما يتجاوز إلى حد توقيع العقاب على المهربين.

وترى غالبية الفقه والقضاء المصري أن هذا التعارض بين المادة الثالثة من قانون الجمارك المصري بتحديدها البحر الإقليمي والمنطقة الملاصقة بثمانية عشر ميلاً بحرياً وبين المادة الأولى من اتفاقية جنيف التي تحدد البحر الإقليمي والمنطقة الملاصقة باثني عشر ميلاً بحرياً لا يحول دون وجوب أن يطبق قانون الجمارك المصري بتاريخ لاحق([56]) ويخالف بعض الفقهاء رأي الغالبية قائلين بأنه إذا تم التصديق على المعاهدة بموجب قانون فإنها تكون واجبة التطبيق، ولو تعارضت فيما بعد مع قانون لاحق طالما لم يتم إلغاؤه بالطريق القانوني السليم([57]).

أما بالنسبة للاجتهاد القضائي المصري فقد استقر على ما ذهب إليه رأي الغالبية حيث جاء بقرار محكمة النقض المصرية ما يلي "إن أحكام التشريع الداخلي أولى بالاعتبار بغض النظر عما يفرضه القانون الدولي من قواعد أو مبادئ يخاطب بها الدول الأعضاء في الجماعة الدولية"([58]).

ويتضح مما تقدم أن اتفاقية جنيف التي صدقت عليها الجمهورية المصرية تتعارض مع مواد قانون الجمارك، وحيث أن الاتفاقية عرضت على السلطة التشريعية وتمت الموافقة عليها، فأصبحت قانوناً داخلياً يلتزم القاضي الوطني بتطبيق أحكامه إلا أن المفاضلة بينهما تتم على أساس أن النص اللاحق ينسخ السابق، وقد صدر قانون الجمارك سنة 1963 وهو تاريخ تال لتوقيع الاتفاقية والتصديق عليها، وبالتالي فإن قانون الجمارك هو الواجب التطبيق. وإذا كانت المسألة، لا تثير صعوبة من الناحية القانونية، إلا أنها تثير مشاكل سياسية على الصعيد الدولي، ولكن هذه النتيجة لا يصلح أن تكون سبباً يحول بين القاضي وبين تطبيق القانون الداخلي اللاحق.

ثانياً : نطاق الرقابة الجمركية البري

أما النطاق الجمركي البري فيحدد بقرار يصدر من وزير الخزانة (المالية) وفقاً لمقتضيات الرقابة وقد صدر بتاريخ 31/8/1963 قرار وزير الخزانة المصري رقم 57 لسنة 1963 بتحديد نطاق الرقابة الجمركي البري، ويجوز أن تتخذ داخل النطاق تدابير خاصة لمراقبة بعض البضائع التي تحدد بقرار منه([59]).

أما بالنسبة لقانون الجمارك الأردني فقد عنى المشرع الجمركي الأردني بوضع التعاريف والحدود ما بين الخط الجمركي والحرم الجمركي والنطاق الجمركي، كما وضع طرقاً معينة لدخول البضائع إلى المملكة أو خروجها منها بحيث لا يجوز التجاوز عليها. وقد عرّف قانون الجمارك الأردني رقم 20 لسنة 1998 وتعديلاته الخط الجمركي: بأنه الخط المطابق للحدود السياسية الفاصلة بين المملكة وبين الدول المتاخمة لها ولشواطئ البحار المحيطة بالمملكة. أي أن الحد الفاصل في جريمة التهريب هو اجتياز البضاعة الخط الجمركي أو الحدود السياسية في إدخال البضاعة أو إخراجها.

وقد عرَّف الحرم الجمركي بأنه: القطاع الذي يحدده الوزير في كل ميناء بحري أو جوي أو في أي مكان آخر يوجد فيه مركز للدائرة يرخص فيه بإتمام كل الإجراءات الجمركية أو بعضها. ويمكن القول بأن الحرم الجمركي هو المستودع أو قطعة الأرض الذي يفرّغ فيه البضاعة وتكون غالباً مسوّرة وتحت حراسة كما أسلفنا سواء كانت المنطقة ميناءاً بحرياً أو جوياً، وان خروج البضاعة من الحرم الجمركي إلى المنطقة الجمركية دون معاملة جمركية يعتبر صورة من صور التهريب الحكمي. وعرَّف النطاق الجمركي بأنه الجزء من الأراضي أو البحار الخاضع لرقابة وإجراءات جمركية محددة في هذا القانون وهو على نوعين:

1- النطاق الجمركي البحري: ويشمل منطقة البحر الواقعة ما بين الشواطئ ونهاية حدود المياه الإقليمية. ولم يحدد نطاق الرقابة البحري وذلك كون الأردن لا يملك بحاراً لأنه مطل على خليج العقبة الذي لا يزيد اتساعه عن تسعة أميال ويقع وسط أربع دول.

2- النطاق الجمركي البري: ويشمل الأراضي الواقعة ما بين الشواطئ أو الحدود البرية من جهة وخط داخلي من جهة ثانية على أن يحدد بقرار من الوزير ينشر في الجريدة الرسمية. إلا أنه لم يصدر الوزير المختص ما يحدد هذا النطاق في الأردن على الرغم مما لهذا التحديد من أهمية كبرى في فرض الرقابة الجمركية.

قانون الجمارك السوري: في المادة الأولى من الباب الأول، وعنوانه تعاريف ومبادئ عامة تحدث في الفقرة الثالثة من المادة الأولى عن الدائرة الجمركية تحت عنوان الحرم الجمركي، وفي الفقرة الثامنة عن الخط الجمركي، وفي الفقرة التاسعة عن النطاق الجمركي. وهو نطاق الرقابة البري والبحري وقد نصت على أن:

1- النطاق الجمركي البحري: يشمل الأراضي الواقعة ما بين الشواطئ ونهاية حدود المياه الإقليمية.

2- النطاق الجمركي البري يشمل الأراضي الواقعة ما بين الشواطئ أو الحدود البرية من جهة وخط داخلي من جهة ثانية تحدد بقرار من الوزير المختص وينشر في الجريدة الرسمية، وحيث أن سوريا منضمة إلى اتفاقية جنيف سنة 1958 فقد تم تحديد المياه الإقليمية باثني عشر ميلاً وهو عكس القانون الجمركي المصري الذي حدد نطاق الرقابة الجمركية بثمانية عشر ميلاً بحرياً وكذلك نهج القانون الجمركي العراقي الذي حدد نطاق الرقابة البحري باثني عشر ميلاً في المادة الأولى من الباب الأول.

أما قانون الجمارك اللبناني فلم يحدد الإقليم الجمركي، أو الخط الجمركي، أو نطاق الرقابة الجمركي البحري، أو الدائرة الجمركية، ولم يتعرض لهذا الموضوع في أي مادة من مواده وهي 382 مادة، وهذا عكس القانون الجمركي الأردني والمصري والسوري والعراقي وكل ما ذكره القانون اللبناني مما يمت بصلة لهذا الموضوع، ما جاء في المادة السادسة من أنه تطبق في جميع المرافئ. والمكاتب الجمركية في لبنان القرارات، والأنظمة والتعريفات ذاتها.

وعلى ضوء ما تقدم فإن القاعدة العامة أن حدود السلطة الجمركية هي الحدود السياسية نفسها. غير أن ذاتية الجريمة الجمركية فرضت الخروج على مبدأ إقليمية قانون العقوبات، بمعنى امتداد الحدود الجمركية إلى ما بعد الحدود السياسية للدولة.

وعلى الرغم من وضوح المسألة من الناحية القانونية، فإن الاعتبارات العملية تدفع القضاء أحياناً إلى التوسع في حماية الدولة من خطر التهريب توسيعاً يخرج فيه على كل ما تقضي به القواعد العامة. ولمحكمة النقض الفرنسية اتجاه صريح في هذا المجال. فقد قررت أن تقدم أحد المسافرين إلى مكتب جمرك بلد مجاور للخروج منه، مخبئاً في حقيبته بضاعة ممنوعة قصد تهريبها إلى فرنسا. وضبط من قبل رجال الجمرك في البلد المجاور، يشكل شروعاً، معاقباً عليه، في الاستيراد تهريباً إلى فرنسا([60]). وقد نصت المادة 182/3 من قانون الجمارك الأردني النافذ على ما يلي: يجوز إجراء التحري عن التهريب والمخالفات الجمركية وحجز البضائع خارج النطاقين الجمركيين البري والبحري عند متابعة البضائع المهربة ومطاردتها مطاردة متواصلة بعد أن شوهدت ضمن النطاق في وضع يستدل منه على قصد تهريبها.
رد مع اقتباس